فوزي آل سيف

139

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

زَيْدُ بْنُ أرقم بْنِ زَيْدِ بْنِ قَيْسِ الخزرجي الأنصاري "من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين" الفضل بن شاذان بعد غزوة بني المصطلق (المريسيع) والتي هزم فيها المعتدون الذين كانوا يتهيأون لغزو المدينة، حدث بين بعض المهاجرين وبعض الأنصار تنازع كاد يهدد وحدة المجتمع المسلم، لولا حكمة رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان المنافقون يستعدون لاستثمار ذلك النزاع لتحويله لحرب داخلية. وذلك أنهم قد أقبلوا على بئر ماء يستقون منه، وفي هذه الأثناء وكما يحصل عادة من التشاح والتنافس فقد تنازع جهجاه بن مسعود الغفاري‮ ‬أجير عمر بن الخطاب مع سنان بن وبر الجهني من أهل المدينة، وضرب جهجاه سناناً فأسال دمه، فنادى سنان المدني: يا لَلأنصار! ونادى جهجاه: يا لَلمهاجرين! فأقبل جمع من هؤلاء وجمع من أولئك وقد شهروا أسلحتهم! حيث كانوا لتوّهم قد فرغوا من الغزوة تلك ولما يطرحوا السلاح أو يصلوا للمدينة. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬ وعندما سمع النبي صلى الله عليه وآله بذلك حذرهم من دعوى الجاهلية تلك! وتعجل في المسير عائداً إلى المدينة على غير ما كان قد خطط له. وقد حاول عبد الله بن أبي، زعيم المنافقين أن يستثمر هذه الحالة ويستثير في أهل المدينة عصبيتهم على أولئك "الغرباء الوافدين" الذين زاحموهم في أمور حياتهم، فقال: لقد نافرونا وكاثرونا في‮ ‬بلدنا،‮ ‬وأنكروا منتنا،‮ ‬والله ما صرنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل‮: «‬سَمِّن كلبك‮ ‬يأكلك‮»‬،‮ ‬والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل..‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬ وكان زيد بن أرقم في ذلك الوقت صغير السن فلم يشهد المعارك الأولى لرسول الله صلى الله عليه وآله، لكنه كان ذا أذن واعية وقلب حفيظ، فلما سمع ما قاله عبد بن أبي كبرت عليه تلك الكلمات، وقام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخبره الخبر بتمامه. " فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَهُ وتَغَيّرَ وجْهَهُ، ثُمّ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا غُلامُ، لَعَلّك غَضِبْت عَلَيْهِ! قالَ: لا واَللهِ، لَقَدْ سَمِعْته مِنهُ. قالَ: لَعَلّهُ أخْطَأ سَمْعُك! قالَ: لا يا نَبِيّ اللهِ! قالَ: لَعَلّهُ شُبّهَ عَلَيْك! قالَ: لا واَللهِ، لَقَدْ سَمِعْته مِنهُ يا رَسُولَ اللهِ! وشاعَ فِي العَسْكَرِ ما قالَ ابْنُ أُبَيّ، ولَيْسَ لِلنّاسِ حَدِيثٌ إلّا ما قالَ ابْنُ أُبَيّ، وجَعَلَ الرّهْطُ مِن الأنصار يُؤَنّبُونَ الغُلامَ ويَقُولُونَ: عَمَدْت إلى سَيّدِ قَوْمِك تَقُولُ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْ، وقَدْ ظَلَمْت وقَطَعْت الرّحِمَ! فَقالَ زَيْدٌ: واَللهِ لَقَدْ سَمِعْت مِنهُ! قالَ: ووالله، ما كانَ فِي الخَزْرَجِ رَجُلٌ واحِدٌ أحَبّ إلَيّ مِن عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ، واَللهِ، لَوْ سَمِعْت هَذِهِ المَقالَةَ مِن أبِي لَنَقَلْتها إلى رسول الله ﷺ، وإنّي لَأرْجُو أنْ يُنْزِلَ اللهُ تَعالى عَلى نَبِيّهِ حَتّى يَعْلَمُوا أنا كاذِبٌ أمْ غَيْرِي، أوْ يَرى رَسُولُ اللهِ ﷺ تَصْدِيقَ قَوْلِي. وجَعَلَ زَيْدٌ يَقُولُ: اللهُمّ، أنْزِلْ عَلى نَبِيّك ما يُصَدّقُ حَدِيثِي"![419] كان ذلك أول عهده بالمواجهة مع المنافقين والخطوط المنحرفة، وما لبث أن تكشفت خيوط مؤامرتهم حينما نزل القرآن يفضحهم في سورة كاملة، تعرض فيها لكلامهم ومواقفهم، وكأنها كانت شهادة لزيد بصدق حديثه: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ

--> 419 ) مغازي الواقدي ٢/‏٤١٧